بهاء الدين الجندي اليمني
234
السلوك في طبقات العلماء والملوك
محمد بن عبد الرحيم المحابي ثم الكلاعي ، تفقّه بالقاسم غالبا ثم بابن ملامس ، وغالب شهرته بالأخذ عن القاسم ، وكان فقيها عارفا محققا مبرهنا للنصوص نقّالا لها محققا مدققا مسكنه قرية الظرافة ، قرية هي شرقي القرية التي تعرف بسهفنة المقدم ذكرها ، وهي بضم الظاء المعجمة القائمة وفتح الراء ثم ألف وفتح الفاء ثم هاء « 1 » وكان مع سعة علمه عابدا مشهورا بالصلاح والعلم وشدة الورع مذكور ، وكان كثير التردد من بلده إلى مدينة الجند رغبة في زيارة مسجدها ومراجعة علمائها والجند يومئذ بأيدي الكرنديين ملوك يأتي ذكرهم ، وكان النائب لهم فيها رجل فيه خير وعبادة يصحب الفقهاء ويحبهم وكان له بالفقه عقيدة جيدة فلم يزل يتلطف بالفقيه ويسأله أن يسكن معه في الجند ويحسّن له ذلك بالقرب للناس بالفتوى والتدريس ، والجند إذ ذاك أعمر مدينة بالجبال وأكثرها أهلا ، ولم يكن للفقيه إذ ذاك أهل ، ولم يكن له إذ ذاك نظر في العلم وهو رأس الفقهاء حينئذ إليه تنتهي الفتوى ، فلما كثر من الوالي ملازمة الفقيه أجابه بشرط أن لا يكلفه الحكم وشرط أن لا يدعوه إلى منزله وإن دعاه لم يكلفه إلى أكل الطعام فالتزم الوالي ذلك فنزل الفقيه إلى الجند وسكنها فذكر أنه حدث للوالي حادث أوجب دعوة الناس إلى منزله فاستدعاهم والفقيه في جملتهم فلما صاروا على الطعام والفقيه ممسك يده ناوله الوالي موزة أو قال اثنتين ، وقال : يا سيدي الفقيه هذا موز أهداه إليّ فلان لرجل يعرف بالحل وتطيب نفس الفقيه بأكل طعامه فاستحياه الفقيه وأخذ الحبة فجعل ما أمكن في فيه ثم خرج مبادرا ( موحدا ) « 2 » أن ثم عذرا يوجب الخروج ، ولما صار في الدهليز أخرج الحبة من باطنه ثم صار إلى بيته ولم يزل مقيما بالجند إلى أن قدم الصليحي سنة أربع أو خمس وخمسين وأربعمائة ، فلما صار بدار الملك فيها دخل فقهاء الجند للسلام عليه ، والفقيه من جملتهم وكان قد استخبر عنهم استخبارا محققا وعرف حال الفقيه وعلمه وصلاحه وأنه رأس الفقهاء وبه يقتدون وإليه ينتهون ، فلما صار الفقهاء عنده بحث عن الفقيه فلما تحقق أمره قال : يا فقيه القضاء متعيّن عليك ونريد منك أن تقبل فقال الفقيه لا أصلح له ولا يصلح لي أو كما قال فأعرض عنه مغضبا حيث لم يقبل منه واشتغل
--> - وقال ابن سمرة : وللمحابيين رئاسة قديمة . ( 1 ) الظرافة كما ضبطها المؤلف قرية نزهة جميلة مطلة على وادي خنوة في نخلان قال الشاعر فيها : أمن الظرافة أن تقيموا برهة * حول الظرافة والسهاد ضجيعي لم أترك التوديع عند وداعكم * إلا مخافة لوعة التوديع ( 2 ) كذا في الأصلين وبإهمال الحروف ولم تكن في ابن سمرة ولعلها : موهما .